شباب اليوم شيوخ
الغد
تغيرت العلاقات داخل المنظومة الأسرية في
عالمنا العربي ولم تعد كما كانت عليه من ذي قبل كلها دفئ وحنان وتراحم وتآخي
وتكافل، بل أصبح لكل فرد من أفراد الأسرة الواحدة عالم انشغاله، وتراجع الإحساس
بمعاناة القريب. كما بلغت قساوة القلوب أحيانا بهجر الوالدين بعدما وهن العظم
واشتعل الرأس شيبا ولم تعد لهما القوة الكافية للعطاء.. بل اصبح من بيننا من يتمنى
إحداث العدد الكافي من دور العجزة للتكفل بالوالدين المسنين كما هو جاري به العمل
في العالم الغربي..
بمثل هذه العقلية يفكر البعض الذي يزهو
بشبابه وقوة ساعديه وماله ووسائل بذخه وترفه التي كونها من تعب وشقاء والديه. هكذا
يريد منهم أن يتركوه يتمتع بحياته بعدما أفنوا عمرهم في سبيل إسعاده…هل نحن إذن في
طريقنا نحو التخلص من أقربائنا كبيري السن بالرمي بهم في مؤسسات اجتماعية وتحويلهم
إلى "تحف تاريخية" عالة على ما تجود به يد المحسنين؟؟
منهجنا التربوي الإسلامي لا يقبل منا
التنكر لأسلافنا وما بذلوه من مجهود في سبيل تنويرنا وسعادتنا، وبالأحرى من هم اقرب
إلينا؛ آباؤنا وأمهاتنا الذين وصانا الحق تبارك وتعالى ببرهم والدعاء لهم في قوله
عز وجل : {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ
إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ
الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ
تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً }الإسراء23 {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً
}الإسراء24
لا ننسى أن للعجوز إحساس مرهف، فلا ينبغي
تطويقه بالتهميش واللامبالاة بالإضافة إلى معاناته النفسية من جراء ضعفه الجسماني..
كبير السن في حاجة إلى رعاية بالرفع من معنوياته وتحسيسه بأن لا يزال له دور في
إفادة أسرته ومجتمعه. فهذا هو الواقع وليس من باب العطف، لأن تجارب المسن وحنكته في
مواجهة معارك هذه الحياة يمكن أن تشكل للشاب نبراسا يفتح له الطريق للسير بثبات في
تخطي الصعاب والعقبات.
فإذا كنا نحن الآن في ريعان شبابنا نفتخر
بقوانا الجسمانية ونبدد طاقاتنا في اللهو وأحيانا نصرفها في الانحراف والضياع،
فسيأتينا لا محالة اليوم الذي سنتحسر فيه على مرحلة أيام شبابنا إذا أطال الله في
عمرنا، وسنـُـعامل من طرف أبنائنا أو غيرنا بمثل ما عاملنا به آبائنا وأقربائنا
المسنين،، إن أحسنا لهم، سيكون من نصيبنا الإحسان من طرف غيرنا، وإن أسئنا معاملتهم
سيكون لنا الجزاء بالمثل.. فلا نغفل أننا شباب هذا اليوم أقوياء مفعمين بالحركة
والحيوية وغدا سنكون إن شاء الله شيوخ، ربما ننزوي في ركن لا حول لنا ولا قوة
نستجدى استعطاف الغير.. فماذا غرسنا لغدنا هذا من إحسان برا بالمسنين
؟؟؟

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire