مذكرات سائح على شاطئ
البحر
ـ2ـ
(صلاة الجماعة في شاطئ مملوء عن
آخره)
تعودت على معانقة نسيم البحر عند بداية
الصباح وعندما يحين الغروب،، اختياري لهذين الوقتين من اليوم كان تفاديا لازدحام
المصطافين وضجيجهم..
هذا اليوم بالذات خالفت المعتاد وتوجهت
للشاطئ في وقت الدروة، أي عند الزوال، بغية معاينة أمر غير مألوف هناك… كانت الساعة
تشير بالضبط إلى 12 زوالا و10 دقائق حسب التوقيت المحلي، ونحن على بعد 20 دقيقة من
موعد آذان الظهر..
الشاطئ مكتظ عن آخره بالمصطافين تحت شمس
دافئة وبحر هادئ لا تكاد ترى في بداية مياهه إلا الرؤوس البشرية وبقية أجسادها
مغطوسة في الماء،، وعلى امتداد رمال الشاطئ جموع أخرى من البشر مستلقية للاستمتاع
بحمام الشمس الدافئة…
وفي وسط هذا الشاطئ بدأت ألاحظ حركة غير
عادية لجمهور من الشباب عزلوا عن الناس بقعة من الشاطئ تناهز تقريبا 20 متر على 15
متر.. غرسوا في أركانها الأربعة قضبان حديدية وأحاطوها بحبل ووضعوا قضيبين أخرين
بوسط أحد الجوانب لتأمين المدخل إلى البقعة.. وأثناء عمل بعض الشباب على تسييج
المكان كان دور آخرين هو تأمين هذا العمل وذلك بتشابك الأيدي بشكل محكم وهم يحلقون
حول البقعة بالطريقة التي تمنع المارة من عرقلة عملهم.. لم تكن الغاية من هذه
التحركات سوى تهييئ مسجد مؤقت لصلاة الجماعة…
استكمل الشباب تحضير المكان،، حان وقت
الصلاة،، دخل أحدهم بلباس محتشم وسط البقعة وشرع يؤذن بصوت تقشعر له الأبدان.. وما
إن سمع العديد من المتواجدين بالشاطئ النداء حتى ذهبوا مسرعين للوضوء استعدادا
للصلاة،، وبعد حوالي 15 دقيقة، تقدم شاب ليئم بالمصلين.. أُقيمت الصلاة بعدما امتلأ
المسجد عن آخره ،، ومن وراء المصلين أقام الشباب حاجزا خاصا
بالنساء…
كان المشهد إيماني في جو من الخشوع وزاده
روعة التنظيم المحكم ،، لقد عم الصمت والهدوء كل جنبات الشاطئ،، المصلون في سكون
خاشعون لربهم، وغير المصلين في هدوء وكأنهم في مراجعة للنفس.. سبحان الله شاطئ مكتظ
عن آخره لو جئت بجيش من رجال الأمن لن يستطيعوا إسكات الناس فيه، لكن بالصلاة هدأت
النفوس وتوقفت الأجساد عن التيه لذكر ربها وشكره على أنعمه.. ولا نكاد نسمع في هذه
اللحظة إلا أصوات بعض الأطفال هنا وهناك ومن حين لأخر وهي تقطع هذا الصمت الذي يخيم
على الشاطئ..
مبادرة كان لها صداها في النفوس دفعت
بالكثيرين للعودة إلى الطريق المستقيم، وبدأت مظاهر التفسخ والعري والانحلال الخلقي
التي تشهدها الشواطئ عادة، تزول تدريجيا من هذا المكان ، مما حذا بالشباب إلى تقسيم
الشاطئ في البداية إلى جزئين؛ جزء لا يُرى فيه عري ولا تفسخ، فيه ممارسة للرياضة
وبرامج تنشيط وترفيه هادف للنساء والأطفال، وجزء ثان بقي على حالته العادية ليس فيه
مراعاة للحشمة ولا احترام للأخلاق.. هذا التقسيم لم يكن بالإكراه ولا يخضع كل جزء
للمنع بل كل مكان مفتوح للجميع..
وبعد مرور بضعة أيام، بدأ الجزء الذي ليس
فيه مراعاة للأخلاق شبه فارغ، وبالمقابل الجزء الثاني عرف إقبالا متزايدا بما يشهده
من أنشطة ثقافية وترفيهية وتنظيم جيد واحترام ارتاح له أغلب المصطافين خاصة ممن
يصطحبون معهم عائلاتهم…
هذا التحول الذي طرأ على الشاطئ لم يعمر
طويلا،، حيث وضعت السلطات المحلية حداً لذلك، تفاديا لأي تطور مفاجئ لم يكن
بالحسبان، وتدخل الأمن ومنع كل نشاط أو مظهر يخالف ما اعتاد الناس عليه في
مصطافهم…
يُتبع في الحلقة المقبلة إن شاء
الله…
























