mardi 25 août 2015

مذكرات سائح على شاطئ البحر ـ1ـ


مذكرات سائح على شاطئ البحر
ـ1ـ
(انتحار مفاجئ)
 





صباح هادئ، شاطئ شبه فارغ، شمس صيف ملطفة بنسيم البحر. بين يدي كتاب لمصطفى محمود أتصفحه جالسا على حائط قصير يطل على الشط. سلبني الفكر الفلسفي للكاتب،، راح بي بعيدا وحملني إلى عالم أفقدني الشعور بصوت الأمواج الصغيرة وحتى ضجيج حركات من يترجل ماشيا من حولي.. 

فجأة !!!… صحوت وعلى بعد ثلاثة أمتار مني لمحت وجها وسيما وقلما بين الأنامل وعلى ورقة بيضاء تبدو خربشات…!! …تراقصت في ذهني علامات : ؟؟؟؟؟

دون أن أبالي عدت لكلمات الدكتور مصطفى.. وبعد مرور بضع دقائق، رفعت رأسي ملتفتا عن يميني،، فإذا بعيني وعينيه تلتقيان ،، حينها ارتسمت ابتسامة عفوية على شفاهنا نحن الإثنين.. بادرني بالقول:
·        أنتَ لست ابن هذه المدينة، أليس كذلك؟
·        بالضبط، وأنتَ؟؟
·        أنا من هنا,, سئمت البقاء في مستشفى الامراض النفسية.. وقررت الهروب،، وها أنا حر طليق.
·        وما الذي تخطه بقلمك؟؟
·        أعبر عما يدور بذهني بهذه الرموز.. خذ، تمعن فيها لعلك تستطيع فك شفراتها!!
·        لم أفهم شيئا!!!
·        إذن أنت خارج عالمي الفريد الذي لا يفهمه إلا طبيبي الخاص،، لكن للأسف هو الآن في إجازة، لذلك قررت الآن الهروب إلى البحر، أنا متأكد أنه سيفهمني أحسن منك..

عرضت عليه صداقتي فرفض ،، لا لشيء سوى أني لم أتمكن من قراءة ما خطه من رموز… استودعني الله وذهب مسرعا نحو الماء،، قلت في نفسي ربما يريد أن ينعش أطرافه ببلل ماء البحر،، لكن ما لبث أن تابع تقدمه إلى الداخل وجسمه النحيل يرتطم بالأمواج الخفيفة، بعدما توقف لدقائق وأكفه ممدودة للسماء كأنه يناجي ربه… وما إن غمر الماء نصف جسده حتى ارتمى بملابسه.. ظننت أنه يسبح، يظهر من حين لأخر على سطح الماء ، ثم يتوارى عن الأنظار لبضع دقائق، ووجهته دائما نحو داخل البحر.. عندها أدركت أن الأمر أخذ منحى لا يبشر بخير حيث حياة الشاب في خطر… 

ركضت يمينا وشمالا لأحث كل من كان بالقرب مني للتدخل قصد إنقاذه.. هاتفنا الوقاية المدنية، وما إن دخل عناصرها بزورقهم نحو مكان تواجده حتى اختفى تماما ولم يظهر له أثر،، غاص بعضهم في الماء لعدة دقائق في محاولة للعثور عليه ، لكن دون جدوى..

انفضت الجموع الغفيرة التي ظلت تراقب حتى آخر النهار…

كان يوم عصيب لم أذق لذة طعامه ولا شرابه،، أحسست بالحسرة والأسى،، قلت في نفسي لمرات عديدة: لماذا لم أقرأ رموز الشاب؟؟…لماذا لم أستطع تفسيرها ولو بعفوية؟؟… ربما كان تفسيري لرموزه سينقذه من الموت،، وربما حينها كان سيقبل بصداقتي وتنفرج همومه… 

تساؤلات أذهبت نوم عيني لم يوقفها سوى آذان الفجر الذي جعلني أعود إلى رشدي مرددا مع نفسي كلام ربي عز وجل : << .. إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ  >>  ..

في اليوم الموالي، وعلى بعد أميال من مكان الغرق ، لفظ البحر جثة الشاب التي عثر عليها صيادون أثناء عودتهم من مهمتهم،، حضر أفراد الوقاية المدنية الذين حملوها إلى المشرحة وسط صراخ الأهالي المفجوعين من ألم الفراق…

كم كان حزني عميقا وحسرتي أشد، حيث كنت شخصيا آخر من استنجد به هذا المريض نفسيا، دون دراية مني قبل وفاته، ولم أستطع فهم رموزه لإنقاذ حياته.. 

     يتبع في حلقة مقبلة إن شاء الله….



Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

هل الشهادة اليوم تعكس حقيقة مستوى حاملها ؟؟

هل الشهادة اليوم تعكس حقيقة مستوى حاملها ؟؟ عادة ما يُتوج المسار التعليمي للطالب الناجح عند نهاية مرحلة ما من تكوينه الدراس...