ظاهرة التسول، بين الحاجة والخداع..
يـُقال: " الحاجة أم الابتكار".. من البديهي أن تدفع بالإنسان حاجته إلى البحث عن سبيل للوصول لما يرغب فيه. ومن سلامة المنطق أن ينهج الفرد الأساليب المشروعة لتحقيق مآربه. لكن الفاقة، والحرمان من جهة وأحيانا الطمع والرغبة في الاكتناز من جهة ثانية كلها عوامل قد تؤدي بضعاف النفوس إلى التحايل والخداع لاستمالة عواطف الناس طمعا في ما يجودون به عليهم.. فهل يحق للفقير والمحروم ابتكار مظهر خادع يثير به شفقة العامة ومؤازرتهم؟
لا شك أن ما عرفه مجتمعنا ولا يزال من أزمات اقتصادية أثرت بشكل بالغ على الجانب الاجتماعي. وكان من أكبر المتضررين الفقراء الذين لا يملكون دخلا قارا، وهم يشكلون السواد الأعظم في المجتمع. ومع توالي الأزمات في غياب سياسة ترشيد المال العام وبـُعد أغلب الأثرياء عن منهج الإسلام الآمِـر بالزكاة والداعي للتآزر والتعاضد، تفشت بشكل ملحوظ ظاهرة التسول لتأخذ أبعادا في أشكالها وأهدافها.. وهكذا يوما عن يوم يصطف العشرات من المعوزين أمام أبواب المساجد، أو تشهد العديد منهم يطاردون المارة في الشارع استعطافا وتوددا، وفي المتاجر ما إن تفتح حافظة نقودك حتى تجد أمامك من يقطع تواصلك مع التاجر رغبة وطلبا.. وما إن تتوسط في سيرك بالشارع حتى تصادف من يتظاهر برجل مبتورة وهو واقف على عكازين يستجدي المارة وتشاء الأقدار بأن تجده في مكان آخر سالما يتمشى على قدميه بترنح وثبات.
تعددت وتنوعت أساليب المتسولين و"تفنن" بعضهم في إبداء البؤس الشديد على محياه ومظهره حتى ترق القلوب لحاله وتلين نحوه الأيادي ممدودة بالدعم والإعانة.. التسول عند العديد مهنة لا يقوى على ممارستها إلا من له الجرأة والذكاء في جلب تعاطف الآخرين وإشفاقهم حسب ما جاء في شهادات بعضهم بعدما كشف عنها الإعلام المرئي والمكتوب دون أن يزيل اللثام عن هويتهم وهم يفتخرون بدخلهم "المحترم" من التسول الذي وفر لهم ما لم يكونوا يحلمون به قط ولو توفر لديهم شغل قار..
انتقلت عدوى ظاهرة التسول لتصيب بعض الشخصيات الوازنة في المجتمع والتي لها ما يكفيها من المال والعقار. اعتاد هؤلاء أن يذهبوا كل موسم حج أو عمرة لا لأداء المناسك وإنما للبحث عن نصيبهم من زكاة الأثرياء هناك.
انتقلت عدوى ظاهرة التسول لتصيب بعض الشخصيات الوازنة في المجتمع والتي لها ما يكفيها من المال والعقار. اعتاد هؤلاء أن يذهبوا كل موسم حج أو عمرة لا لأداء المناسك وإنما للبحث عن نصيبهم من زكاة الأثرياء هناك.
نحن إذن أمام ظاهرة ليس لها ما يبررها مهما كانت الوضعية الاجتماعية للمحتاج خاصة لو كنا على صلة وثيقة بتعاليم الإسلام فهما وتطبيقا. ديننا الحنيف يدعو لعزة نفس المؤمن وكرامته. والمؤمن القوي الإيمان تغلب عليه العفة ولا يسأل الناس بإلحاح كما بإمكان كل مؤمن لبيب أن يعرفه بسمته إن أراد مساعدته.. يقول الحق تبارك وتعالى في محكم كتابه : {لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ }البقرة273 .. ونظرا لما لقيمة إيتاء الزكاة في الإسلام وما تكتسيه من أهمية في التوازن الاجتماعي، نجدها دائما مقرونة بإقامة الصلاة في معظم آيات كتاب الله عز وجل: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ }البقرة43 .. {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ … }النساء77 .. {وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي …}المائدة12 …
مجمل القول، لو كان أثرياؤنا حريصين على تقوى الله عز وجل ويخافون يوما يرجعون فيه إلى الحق تبارك وتعالى، لما تواروا عن استخراج زكاة أموالهم. ولو كان لدينا نظاما سياسيا يفرض الزكاة على من تجب عليه وينظمها بإحداث بيت لها وبتعيين القائمين عليها من الثقاة، لما كان للمحتاج تواجد بالمجتمع. لكن ما يحصل اليوم وللأسف هو تملص الأثرياء حتى من الضرائب وتحايلهم على قوانينها. فكيف بهم أن يؤتوا الزكاة التي لا رقيب لها عليهم إلا الله؟.. وهكذا هو حال ضعاف الإيمان يخافون الناس ويتجرؤون على انتهاك محارم الله.
تحياتي

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire